عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

380

اللباب في علوم الكتاب

حصلت له بنية وحمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال إنّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصّلاة والسّلام - . السادس : قالوا هذا الميثاق إمّا أن يكون قد أخذه اللّه منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في الدّنيا . والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقّين للثواب والعقاب ، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا ، لأنهم لمّا لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان . السابع : قال الكعبيّ : إن حال أولئك الذّر لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ، فلمّا لم يمكن توجيه التّكاليف على الطّفل ، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذّرّ ؟ وأجاب الزّجّاج عنه بما تقدّم من تشبيهه بقصة النّملة ، وأيضا لا يبعد أن يعطي اللّه الجبل الفهم حتى يسبح ، كما قال : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ [ الأنبياء : 79 ] وكما أعطى اللّه العقل للبعير حتّى سجد للرّسول ، وللنّخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا . الثامن : أن أولئك الذّر في ذلك الوقت إمّا أن يكونوا كاملي العقول أم لا ، فإن كان الأوّل كانوا مكلفين لا محالة ، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا اللّه تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدّنيا ، فلو افتقر التكليف في الدّنيا إلى سبق ذلك الميثاق ؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التّسلسل وهو محال . وإن قيل : إنّهم ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت ، فيمتنع توجيه الخطاب والتّكليف عليهم . التاسع : قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 5 - 6 ] ولو كانت تلك الذّرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدّافق ، ولا معنى للإنسان إلّا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقا من الماء الدّافق وذلك رد لنصّ القرآن . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال إنّه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى الحياة ؟ قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة ، وأجمع المسلمون على أنّ خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ ، فبطل ما ذكرتموه .